السرخسي
127
المبسوط
أيضا وبيان هذا أن نفس القذف لا يكون موجبا للحد كما قاله الخصم ولان القذف متمثل بين الصدق والكذب وربما يكون حسبه من القاذف إذا علم اضراره ووجد أربعة من الشهداء ليقيم عليه الحد ولهذا يتمكن من اثباته بالبينة ولكن وجوب الحد عليه بالقذف مع عجزه عن الاتيان بأربعة من الشهداء واليه أشار الله تعالى في قوله عز وجل ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فالمعطوف على الشرط شرط ثم العجز عن ذلك يظهر بما يظهر به العجز عن الدفع في سائر الحوادث فعند ذلك يصير القذف موجبا جلدا مؤلما محرما لقبول الشهادة وذلك منصوص عليه في قوله تعالى فاجلدوهم والفاء للتعقيب وقوله تعالى ولا تقبلوا لهم معطوف على الجلد والعطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه فإذا كان المعطوف عليه حدا كان المعطوف من تمام الحد كما قال الشافعي رحمه الله في قوله صلى الله عليه وسلم وتغريب عام أنه من تمام حد البكر ولكن نقول هناك التغريب لا يصلح أن يكون حدا لما فيه من الاغراء على ارتكاب الفاحشة دون الزجر وهنا رد الشهادة صالح لتتميم الحد لأنه مؤلم قلبه كما أن الجلد مؤلم بدنه ففيه معنى الزجر ثم حرمة القاذف باللسان ورد شهادته حد في المحل الذي حصل به الجريمة وذلك مشروع كحد السرقة والمقصود من هذا الحد دفع الشين عن المقذوف وذلك في اهدار قوله أظهر منه في إقامة الجلد عليه فلهذا جعلنا رد الشهادة متمما للحد وهذا بخلاف قوله صلى الله عليه وسلم للسارق اقطعوه ثم احسموه فان الحسم لا يكون متمما للحد لأنه دواء فلا يصلح أن يكون متمما للحد ثم حرف النفي في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة لا يمنع العطف فقد يعطف النهي على الامر كما يقول لغيره اجلس ولا تتكلم وأما قوله تعالى وأولئك هم الفاسقون ليس بعطف بل هو ابتداء بحرف الواو وقد يكون ذلك لحسن نظم الكلام كقوله تعالى والراسخون في العلم وقوله تعالى ولباس التقوى وقوله تعالى ويمحوا الله الباطل وبيان أنه ليس بعطف أن قوله تعالى فاجلدوهم أمر بفعل وهو خطاب الأمة وقوله تعالى ولا تقبلوا لهم نهى عن فعل وهو خطاب الأمة أيضا وقوله تعالى وأولئك هم الفاسقون اثبات وصف لهم فكيف تتحقق المشاركة بينه وبين ما تقدم ليكون عطفا ولان قوله تعالى وأولئك هم الفاسقون بيان لجريمتهم وإزالة الاشكال أنهم لما أدي استوجبوا هذه العقوبة وما تقدم بيان الواجب بالجريمة ولا يتحقق عطف الجريمة على الواجب بها والدليل عليه انه لو كان هذا عطفا لكان من الحد أيضا فينبغي أن لا يرتفع بالتوبة كما لا يرتفع بالحد فلا تأثير للتوبة في الحد